ابن حزم
548
الاحكام
وهذه النصوص التي أوردناها هي قرآن منزل ، أو أثر في غاية الصحة منقول نقل التواتر ، وكلاهما في غاية البيان ، فالأقل في الدين هم أهل الحق ، وأن أكثر الناس على ضلال وعلى جهل ، وأن الواحد قد يكون هو المصيب ، وجميع الناس هم على باطل ، لا تحتمل هذه النصوص شيئا غير هذا البتة ، فلو صحت تلك الآثار التي قدمنا ، لوجب ضرورة أنها ليست في الدين ، لكن في شئ آخر ، وبالضرورة تدري أنها ليست على عمومها ، لان انفراد الرجل وحده في بيته غير منكر : وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده . وبرهان كاف قاطع لكل من له أقل فهم في أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد قط بالجماعة المذكورة كثرة العدد لا يشك في ذلك ، لان النصارى جماعة واليهود جماعة ، والمجوس وعباد النار جماعة ، أفترونه صلى الله عليه وسلم أراد هذه الجماعات ؟ حاشا لله من هذا ، فإن قالوا : إنما أراد جميع المسلمين ، قلنا : فإن المنتمين إلى الاسلام فرق ، فالخوارج جماعة ، والروافض جماعة ، والمرجئة جماعة ، والمعتزلة جماعة ، أفترونه عليه السلام أراد شيئا من هذه الجماعات ؟ حاشا له من ذلك . فإن قالوا : إنما أراد أهل السنة ، قلنا : أهل السنة فرق ، فالحنفية جماعة ، والمالكية جماعة ، والشافعية جماعة ، وأصحاب الحديث الذين لا يتعدونه جماعة فأي هذه الجماعات أراد صلى الله عليه وسلم ؟ وليس بعضها أولى بصحة الدعوى من بعض ، فصح يقينا قطعا كما أن الشمس طالعة من مشرقها أنه عليه السلام لم يرد قط إلا جماعة أهل الحق ، وهم المتبعون للقرآن ، ولما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من بيانه للقرآن بقوله وفعله . وهذه هي طريق جميع الصحابة رضي الله عنهم ، وخيار التابعين من بعدهم ، حتى حدث التقليد المهلك ، فإذا لا شك في كل هذا ، وقد بينا أن أمره عليه السلام بلزوم الجماعة ، إنما أراد يقينا أهل الحق ، وإن كانوا أقل من أهل الباطل بلا شك ، لم يرد كثرة العدد قط . فلنتكلم بعون الله تعالى وقوته على ما في تلك الآثار ، من أن الشيطان مع الفذ أو الواحد ، وهو من الاثنين أبعد . وقد أوضحنا بما لا إشكال فيه ، أنه عليه السلام لم يرد بذلك الدين ، بما لو أوردنا آنفا من النصوص ، وببرهان آخر ، وهو قوله :